الراحة… المطلب القاتل

 


لا شيء في هذا الكون ينجو إذا فرغ، فالدلو إذا فرغ يبس وتشقق، وبطارية الهاتف إذا تُركت عند الصفر فقدت قدرتها على الشحن وتلفت، والوعاء المحكم إذا سُحب منه الهواء انطبق على نفسه، والبيت إذا خلا من أهله تداعى وانهدم. لذا فالقاعدة في كل هذا واحدة: "أي كيان يفرغ، ينهار ويتلف".

وهذا القانون الذي يحكم الجمادات، هو نفسه الذي يجري على الإنسان بالضبط. فكم مرة أنهيتَ عملاً شاقاً، أو تخلصتَ من همٍّ ثقيل، ثم جلستَ لترتاح، فانقلبت راحتك ضيقاً وكآبة لا تعرف لها سبباً؟ إن السر في ذلك هو أنك فرغتَ فجأة، فالفراغ لا يقف محايداً أبداً، بل يبدأ فوراً —حين يجد له مكانًا— بإضعاف الروح وإتلافها من الداخل. والأخطر من ذلك أن يعيش الإنسان هذا الخواء حتى وهو في زحام عمله ووظيفته حين يتحول يومه إلى روتين آلي بلا غاية، فيعود منهك الجسد وخاوي القلب في نفس الوقت.

وهذا التفريغ لا يحدث صدفة، بل هو عملٌ مستمر يقوده الشيطان والنفس، فالشيطان يتربص بالإنسان ليسلب من سعيه معناه وغايته النبيلة، والنفس تميل إلى الغفلة والدعة، فيجتمعان على تفريغ القلب ليَسهُل استدراجه نحو التوافه.

ويمتد هذا الداء من الفرد إلى المجتمع، فطاقة الناس لا تفنى، فإذا أُفرغت من مشاريع البناء والنهضة ارتدت على أصحابها ليتآكل المجتمع من داخله. ففي ثنايا غياب القضية الكبرى، تصغر العقول، وتتضخم التوافه، ويتحول الخلاف العابر إلى صراع طاحن، لا لاختلافٍ حقيقي، بل ليصنع العاطلون من الخصومة معنىً يملأ فراغهم، كمحركٍ دار وهو فارغ فحطمت تروسه بعضها.

إن هذا القانون الكوني جاء مفصلاً في كتاب الله في سورة الشرح، فبعد شرح الصدر، ووضع الوزر، ورفع الذكر، جاء التوجيه بفاء التعقيب: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾ —والنَّصَب هو التعب والجهد المفيد— لو تأملنا أكثر لوجدنا أيضًا أنه: لأنك لم تفرغ، ولأنك ملأت وقتك بالعمل الجاد، نلتَ تلك النعم الثلاث ودامت لك.

ولا يعني هذا أن يركض الإنسان بلا توقف حتى يهلك، بل إن الحقيقة —وهي السر العظيم— أن الراحة في "تغيير الجهد" وليس في التوقف. إذ يظن الناس أن الإجازة نومٌ وخمول، وأن الراحة في عدم الانشغال، بينما هم يتكلمون عن المَهلَكة التي يسعى الإنسان إليها ويقاتل بحثًا عنها: "الفراغ".

الراحة الحقيقية تكون في تبديل نوع الجهد بذكاء، فحين يشعر الإنسان بالإرهاق من جهد التفكير، فعليه أن يستريح بالانتقال إلى جهدٍ بدني وحركةٍ تنشط جسده وتصفي ذهنه، ومن أُرهق جسده بالجهد والعمل والكد، فعليه أن يستريح بالانتقال إلى الجهد الروحي والإيماني. ولهذا حددت الآية التالية مباشرة مستقر هذه الراحة وموعدها: ﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾. فالقلب حين يفرغ من كدح الدنيا لا يُترك للتيه، بل عليه أن يتصل بربه عبر الذكر والصلاة، ومن هنا نستطيع أن نفهم لماذا عبّر النبي ﷺ بقوله: «أرِحنا بها يا بلال».

وفي قلب هذا السعي المتصل، ينزل الوعد الرباني: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ فالعسر جاء معرّفاً بـ «الـ» ليكون عسرًا واحداً محدوداً، بينما جاء اليسر منكّراً ومكرراً ليدل على اليسر المضاعف والشامل المصاحب لذلك العسر، فلن يغلب عسرٌ يسرين.

إنها سنّة واحدة للخالق الواحد. فالذي قضى بتلف الجماد إذا فرغ، قضى بضيق النفس وتناحر المجتمعات إذا تعطلت. والنجاة من كل ذلك في: إتقان تبديل الجهد بين العقل والجسد والروح.

لذا، علينا أن نحرص على ألا نفرغ؛ مثل حرصنا على ألا تفرغ بطاريات هواتفنا.

حسن بن مريّع


تعليقات