اللي ماله كبير يشتري له كبير

 العائلة هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان كيف يعيش مع الآخرين، فيها نكتسب الحب والاحترام، ونتعلم كيف نحل خلافاتنا ونتحمّل تبعات أفعالنا. ليست العائلة مجرد بيوت متجاورة، بل هي أساس المجتمع، فإذا صلحت الأسرة صلح المجتمع، وإذا ضعف البيت تسلّل الضعف إلى كل ما حوله.

ففي كل أسرة متماسكة هناك كبير يلجأ إليه الأفراد حين تحتار العقول وتشتد الخلافات، ولا يعني انه كبير بالعمر فقط، بل يعني الحكمة والنزاهة والقدرة على وضع مصلحة الجميع قبل المصالح الشخصية. إن وجود هذا الكبير يمنح البيت طمأنينة، ويعيد التوازن عندما تخرج الأمور عن مسارها.
قوة الكبير لا تقوم على الصراخ أو القسوة، بل على الثقة والعدل، يستمع له الجميع لأن كلامه صادر عن إنصاف وحكمة لا عن تحيز وتحزب، لذلك تُقبل كلمته حتى وإن خالفت بعض الآراء والرغبات، لأنها تأتي من ميزان يزن المصلحة واللطف في آن واحد.
الكبير قدوة قبل أن يكون موجهاً، يتعلمون الأبناء من أفعاله أكثر مما يتعلمون من كلامه، حين يرون أمامهم رحابة صدر وصبراً والتزاماً بالواجب تنغرس تلك الصفات في نفوسهم بهدوء، ومنه تنتقل القيم، كصلة الرحم وتحمل المسؤولية والمراعاة والالتزام بالدين وحب الوطن.

يساعد الكبير الشباب على فهم زمنهم دون أن ينسوا جذورهم، يعلمهم أن التطور ليس ذريعة للتخلي عن الأخلاق، وأن الحرية لا تعني الفوضى، وأن الاستقلال لا يعني القطيعة.
ومن أعظم وظائفه إصلاح الخلافات، فلكل بيت مشاكله من مال أو ميراث أو كلمة قيلت في غضب، ووجود شخص حكيم يتدخل مبكراً يمنع الشرخ من أن يتسع. الكبير يستمع للجميع، يقرب بين وجهات النظر، يقنع بأن التنازل أحياناً أكرم من التمادي الذي يكسر الود، فقبل الصلح تُحفظ الكرامة، ويُداوى الجرح قبل أن يتحول إلى قطيعة.
وفي السنوات الأخيرة صار إضعاف دور الكبير أمراً منظماً في بعض الحالات، فهو مؤامرة شيطانية تقودها منظمات معادية وتجنّد فيها سفهاء الناس عبر منصات مختلفة، لتشويه صورة الكبير، (سواءً كان أباً أو أخاً أو غيره) وتقليل قيمة المرجعيات، والهدف هو سحب البساط من تحت هذا الكبير، وتفكيك البيت من الداخل، حتى تصبح المجتمعات أسهل للاختراق والتحكم، وهذه المؤامرة إن نجحت فستترك أثراً مدمراً، أطفالاً يتحملون ما لا يناسب أعمارهم، أمهاتٌ منهكات، وروابط أسرية تتآكل وتتحلل.
إن غياب المرجعية داخل البيت لا يؤثر على الأسرة وحدها، بل ينعكس على المجتمع كله، فالخلافات الصغيرة تتحول إلى قضايا عامة، وتزداد الضغوط على المؤسسات ويضعف الترابط الاجتماعي. وقد قيل: (اللي ماله كبير يشتري له كبير) بمعنى أن العائلة أو الجماعة التي تفتقد كبيراً بهذه المواصفات عليها أن لا تبقى بلا كبير، بل تبحث عنه ولو من خارجها؛ حتى لو اضطرت أن تدفع له ثمناً لجعله مرجعاً لها يحكمها ويصونها.
لذلك يجب أن نكبر الكبير ونقوّيه، ليس بالمظاهر بل بالدعم الحقيقي، بالاحترام العملي، بالاستماع لحكمته، بمنحه مساحة للعمل والحوار، وبنقل المسؤولية إليه حين تستدعي الحاجة. كبير العائلة ليس لقباً شرفياً بقدر ما هو مسؤولية، هو الذي يجمع ولا يفرّق، يصلح ولا يفسد، يسمع للجميع ثم يختار ما يخدم الكيان. فحين نحافظ عليه ونكبره فإننا نحمي بيوتنا، ونبني لأنفسنا مجتمعاً قوياً يعرف كيف يختلف دون أن ينكسر.

حسن بن مريّع

نشر في الصحافة

للاستماع:

يوتيوب – إنستقرام – تيك توك

تعليقات