في كتاب الكون المترامية أطرافه؛ يكمن سر خفي يحكم جريان الأنهار، وتناوب الفصول وارتفاع الروح وانخفاضها. إنه “الميزان”؛ ذلك المفهوم الذي يتجاوز كونه أداة قياس صامتة؛ ليكون أقدس ما أودعه الخالق في ملكوته كضمانة للعدل والنظام. لقد أمرنا الله بإقامة هذا الميزان وحذرنا من الطغيان فيه؛ لكننا غالبا ما نفهم الطغيان بشك لضيق يحصره في غش البيع والشراء. الحقيقة أن الطغيان الأكبر هو العبث بفطرة الوجود ومحاولة استبدال السنن الإلهية بنظم بشرية قاصرة. فنحن نحاول ترويض العاصفة بدلا من الإبحار بمهارة عبرها؛ونبتكر موازين خاصة تشوه رؤيتنا للحياة. كثيرا ما نصاب بالإحباط حين نفشل في إصلاح حياتنا ببرامج صارمة. نتبع حمية قاسية فنزداد وزنا؛ أو نطبق نظريات الباحثين فتعتل صحتنا. والسبب بسيط؛ هو أننا نحاول إقامة توازن خارجي بتجارب الآخرين بينما يصرخ ميزاننا الداخلي وجعا. لقد نسينا أن لكل شيء مركزا يشده: ميزان للأكل؛وآخر للنوم؛ وميزان للقول والفعل. إن أجسادنا هي أعظم أجهزة استشعار؛ فهي تهمس لنا برسائل مشفرة عن احتياجاتها من ملح أوخضار أو كفاية. لكن ضجيج الحياة الحديثة جعلنا نعزف عن الاستماع؛ فمال الميزان وتراكم عليه غبار السنين. تصحيح هذا الخلل يتطلب إضافة المزيد من التعقيد؛ بل يتطلب التوقف عن العبث. إنه فن الانسحاب نحو الذات: فالصيام هدنة مقدسة لضبط مصنعية الجسد؛ والصمت أداة لوزن الحروف والمنطق؛ والخلوة نافذة للاستماع لصدى الداخل. فحين ينضبط الميزان الداخلي؛ فإنه سينعكس نوره على العالم الخارجي. إن مهمتنا ليست في ضبط قوانين الكون؛ بلفي منع أنفسنا من الطغيان عليها. فالميزان هو مفتاح الحكمة والحياة الهادئة؛ وهو دعوة دائمة للعودة إلى الفطرة، واليقين بأن المقياس الأصدق قد وضع سلفا من قبل الخالق سبحانه.

تعليقات
إرسال تعليق