لِجامُ العَينِ.. سُلطانُ الرُّوحِ

منذ قديم الزمان، آمنت الشعوب بسر العين؛ فهي ليست أداة للرؤية فحسب، بل جسر وصل بين المادة والروح. هي تلك القناة التي تعكس للآخرين ما نفكر فيه، مما يخلق انسجاماً بصرياً تضيء معه الخلايا العصبية. وهذا اليقين بأن الروح تسكن العيون مفهوم حدسي ينمو مع الطفل منذ المهد. لقد رآها اليونان طريقاً للمعرفة الذاتية، وربط David Morgan بين النظرة المقدسة وبناء الواقع الوجداني. فهي مرآة للمشاعر، وحارس للقلب، ولغة صامتة تعبر بصدق حين يصمت اللسان لتنقل مكنونات الحب أو الكراهية.


يبدأ إعجاز العين في الجنين باكراً؛ من الأخدود البصري في اليوم الثاني والعشرين، إلى الحوصلة في اليوم الثامن والعشرين، حتى يبرز البؤبؤ في الأسبوع السابع. وتحمل الشبكية مئة مليون مستقبل ضوئي، مما يجعل الرؤية الحاسة المهيمنة. ومن هنا، فإن ضبط العين هو أساس ضبط الفكر؛ فالعين المشتتة تعني عقلاً مستباحاً، أما المنضبطة فتعكس عقلاً يقوده القرار لا الصدفة.


يخبرنا العلم أن حركات العين هي عروض سلوكية للعمليات الذهنية تديرها القشرة الجبهية لتحقيق التحكم التثبيطي. وتربط العين بين النظر والذاكرة عبر منطقة الحصين، كما أن التحديق في الفراغ بعيداً عن المثيرات يفتح باباً للإبداع والصور الذهنية. ولتقوية هذه السيادة، نمارس تمارين مضادات الساكا بالنظر عمداً عكس اتجاه المثير؛ كمن ينظر ليساره حين تمر سيارة عن يمينه، أو يتجاهل وميض إشعار الهاتف في زاوية الشاشة لينظر في الزاوية المقابلة، أو يقاوم فضول الالتفات لصوت باب فتح فجأة، أو يتدرب مع صديق يحرك إصبعه فينظر هو للجهة المنسية.

وفي منهج السلوك: الملتفت لا يصل؛ فتشتت العين مبدأ ضياع الهمة. لذا، فإن جمعية القلب تبدأ بحماية هذه البوابة المفتوحة على نور البصيرة. وقد شرح Ibn al-Qayyim كيف تبدأ النظرة فتصبح خاطرة، ثم فكرة، فشهوة، ثم إرادة فعزيمة؛ مؤكداً أن حسم المعركة في النظرة الأولى أيسر بكثير. وبضبط البصر ننال عشر فوائد، أبرزها خمسة أركان: نور القلب وإشراق الوجه، صحة الفراسة، شجاعة القلب وعزته، زيادة العقل وتثبيته، والخلاص من حسرة الألم التي تنبع من رؤية ما لا تملك.


أما في ميادين التفوق، فتبرز العين الهادئة كسر للنخبة؛ حيث يثبت البصر لتصفية الضجيج العصبي عبر أربعة معايير: المدة، وبداية التثبيت، والموقع الدقيق، والحفاظ على النظر حتى اكتمال الفعل. كما تعمل تقاليد تراتاكا الشرقية على ترويض العقل بالتحديق الثابت في لهب شمعة دون رمش، مما يسكن الأفكار ويحسن التركيز وينشط الغدة الصنوبرية. وهذا الانضباط يمنح صاحبه نظرة مغناطيسية وهيبة تفرض السيادة؛ فالقوي هو من يقرر متى يبدأ التواصل ومتى ينهيه.


ولبلوغ هذه المرتبة، ندرب العين بالدوران المنضبط ببطء، وتتبع الأشكال الهندسية كالخطوط المتعرجة، وتثبيت النظر في المرآة بحضور ذهني. كما نمارس الصمت البصري بتجاهل المشتتات الجانبية، وتأمل الأشياء البسيطة كزهرة أو حجر لبناء عضلة التركيز. ونطبق قاعدة عشرين-عشرين-عشرين المطورة بمنظور سيادي: كل عشرين دقيقة من العمل، تنظر لنقطة تبعد عشرين قدماً (أي ستة أمتار)، لمدة عشرين ثانية، بتثبيت إرادي صلب يقهر التشتت.

إن الرحلة من الشتات إلى القيادة تبدأ بحكم النافذة لحماية الدار؛ فمن ملك قرار عينه، ملك زمام حياته ووصل إلى أعلى مراحل القوة والرفعة، ليحول طاقة نظره إلى تركيز ليزري يخدم أهدافه الكبرى

حسن بن مريّع

نشر في الصحافة

للاستماع:

يوتيوب – إنستقرام – تيك توك – ساوند كلاود

تعليقات