سجن الخيال بقيد اللوم

 كثير منا يعيش في صراع خفي بين ما يملكه في واقعه؛ وبين مايتمناه في خياله، والحقيقة التي تغيب عن الكثيرين هي أن المشكلةالكبرى ليست في الواقع الصعب الذي نعيشه؛ بل في الرفض المستمرله.

نحن نهرب من يومنا إلى عالم “المفترض”؛ وهو ذلك العالم الخياليالذي نرسمه في عقولنا بجمال كامل وتفاصيل مريحة؛ ونطالب الحياةأن تتطابق مع هذه الصورة دون أن نعترف أصلاً بوضعنا الحالي.

هذا الهروب يجعلنا نعيش في فقاعة من الأوهام؛ فنبقى عالقين فيمنتصف الطريق؛ لا رضينا بحاضرنا لنصلحه؛ ولا نحن امتلكنا القدرةعلى بناء المستقبل الذي نحلم به.

إن أول خطوة في تعطيل العقل عن التفكير والإنتاج هي “اللوم”؛فبمجرد أن يبدأ الإنسان بإلقاء اللوم على الظروف أو الآخرين أوالحظ؛ فإنه ينقطع تماماً عن فهم حقيقة واقعه؛ ويتوقف عن إدراك مايجب عليه فعله فعلياً. اللوم هو ذلك الستار الكثيف الذي يحجب الرؤية؛فمن يلوم غيره لا يمكنه أبداً أن يرى دوره هو في التغيير.

الوعي هو مسؤولية فردية بامتياز؛ ولا أحد في هذا الكون سيوقظنا منأحلامنا أو يغير حالنا إن لم نفعل ذلك بأنفسنا.

تأمل معي حال ذلك الابن الذي يزجره والده عن أمر قد يلحق بهالضرر؛ إذا انشغل هذا الطفل بلوم والده والغضب من منعه؛ فإنه لنيفهم الحكمة من هذا الزجر؛ وسيعيش في آلام نفسية شديدة تجاهأبيه؛ وسيشعر بالظلم والقهر الذي لا مبرر له. أما إذا نظر الابن فيحاله وفي غاية والده من هذا المنع؛ فإنه سيتعلم ويتطور؛ ولن يشعربألم القسوة لأنه أدرك المنفعة الكامنة خلفها. هكذا نحن مع أقدارالحياة؛ حين نتوقف عن لوم الظروف والانشغال بفهم الدروس؛ فإننانسلك طريق النمو والتعلم.

هذا المفهوم يذكرنا بقصة ذلك الشاب الذي كان يقف كل صباح أمامنافذته؛ ينظر إلى حياته كأنها عار لا ينتمي إليه ولا يشبه طموحه. كانيريد حياة أوسع ونتائج أسرع؛ وظن أن مشكلته هي الواقع؛ ولكنمشكلته الحقيقية كانت في العيش داخل الافتراضات. إن الذي يعتادالعيش في الخيالات ينسى مع الوقت كيف يتعامل مع الحقيقةالصامتة؛ وبمجرد أن تضطره الظروف للعودة إلى أرض الواقع؛ فإنهسيشعر بالرعب والخوف الشديد. بسبب الفجوة الهائلة بين ما اعتادعليه في خياله الناعم وبين ما يراه أمام عينيه من حقائق قد تكونخشنة أو متعبة.

عندها يقع في فخ جديد؛ فبدلاً من أن يبدأ العمل؛ يدخل في دائرة منالرفض فينتقد كل شيء؛ ويلوم كل أحد؛ ويبقى واقفاً في مكانه دونأدنى تقدم. لا هو استطاع التخلص من ألمه؛ ولا الوصول إلى أهدافه؛لأنه ببساطة لا يملك أرضاً صلبة يقف عليها.

الواقع ليس نهاية الطريق؛ بل هو البداية الوحيدة الممكنة؛ ومن يحاولالقفز فوقه سيسقط.

الحلم الجميل لا يتجسد في الهواء؛ بل يحتاج إلى واقع متين؛ والفرقبين القبول والاستسلام هو الفرق بين إنسان يرى ما عنده ليبني عليه؛وإنسان يظل في مكانه يكرر شكواه.

‏لنبدأ من حيث نحن؛ ولنقبل حياتنا كما هي اليوم لكي نمتلك القوةلتغييرها غداً.

‏فالذي يفهم حاضره بصدق؛ هو الوحيد الذي يملك مفتاح المستقبل.

حسن بن مريّع

‏نشر في الصحافة


تعليقات