رصاصة تقتل الذاكرة

 تخيل بيتاً دافئاً، تفوح منه رائحة القهوة والسكينة، حيث اليد مأوى، والابتسامة وطناً.… وفجأة… بكلمة عابرة، ينقلب هذا الدفء إلى صقيع. إلىٰ زلزال يضرب أركان النفس، ليحول الرضا العميق إلى سخط شامل، من خلال ما يسمى بـ (سوداوية الذاكرة التراجعية). وهي حالة تجعل الإنسان يعيد تفسير ماضيه المستقر؛ وكأنه كان في خديعة أو حرمان.

تبدأ القصة عندما يشعر المرء بـ ا(لحرمان النسبي) وهو أن يرى فجوة بين واقعه وبين ما يظن أنه يستحقه، بناءً على مقارنةٍ مع الآخرين. إن هذه الرصاصة لا تصيب إلا من ضيّع وعاءه بمراقبته لأوعية الآخرين. فسيشعر أنه يفتقد لشيء غيره يمتلكه، فتتولد لديه رغبة ملحة فيه. والأخطر هو اقتناعه بأن الحصول عليه كان ممكناً لولا أنه كان مسلوباً ومخدوعاً؛ وهذا النوع يسمى (الحرمان النسبي الأناني) حيث يشعر الفرد بدونية وضرر شخصي مقارنة بدوائر قريبة منه، مما يدمر رضاه عن حياته؛ حتى وإن كانت ظروفه في الحقيقة رائعة.
ما يحدث فعلياً هو إعادة تأطير سلبية للواقع؛ فالعقل يضع بروازاً أسود حول حياته؛ ليحول المعنى من بناء إلى هادم. ولأن الدماغ البشري يعاني من انحياز للسلبية، فإن هذه الأفكار السامة تكون أكثر لزوجة فيصعب زحزحتها. حينها يبدأ الشخص في إعادة كتابة التاريخ؛ فالذاكرة ليست تسجيلاً، بل بناءً يتأثر بمزاجنا الحالي. وفجأة، يصبح التقدير السابق استغلالاً، والمودة تمثيلية، وتتحول البساطة إلى بخل وتجاهل. هذا التحريف هو (نبوءةُ ذاتيةِ التحقق) فتُلوث الماضي، وتجعل العودة للوئام شبه مستحيلة.
ويزيد الأمر تعقيداً اليوم مع ما يسمى بـ (الحداثة السائلة) التي أنتجت علاقاتٍ هشة، تتأثر بالماديات والمظاهر. وأصبحت منصات التواصل عبارةً عن مختبراتِ مقارنةٍ تعرض حيوات مزيفة، مما يدفع لمقارنة الواقع الطبيعي بواقع المشاهير المزيفة، فتتلوث معيار الكرم والنجاح.
هذا الانجراف أدى لزيادة معدلات الطلاق والنزاع العائلي، وفقدان القناعة والبر لصالح وهم الاستحقاق المادي.
فالشخص المتسمم فكرياً؛ يدخل في حالة إغراق عاطفي تجعله في حالة قتال دائم مع كل دوائره. ويرتدي قناع الضحية ليبرر قسوته بحجة استرداد حقه، فيما يسمى بـ (الترخيص الأخلاقي). وكثيراً ما تأتي هذه السموم كـ نصائح تحررية تدمر السكينة الداخلية وتؤدي للقلق والاكتئاب.
يمكننا بناء حصانة نفسية عبر التفكير الناقد لما نسمعه أو نراه. ثم إن ترياق هذا السم ودرع هذه الرصاصة هو الرضا الإيماني، وتأسيس مقاييس داخلية للقيمة؛ تنبع من الأخلاق لا المقتنيات.
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾

يمكننا إعادة تنظيم الدماغ بتفنيد المعتقدات السامة، وممارسة كتابة (الامتنان اليومي)، وفتح حوارات صريحة وديّة وهادفة.
استعيدوا قدسية ماضيكم، ولا تسلموا مفاتيح ذاكرتكم لـ (لصوص اللحظات) الذين لا يقدمون إلا الخراب؛ فالسعادة في الرضا بالرحلة الخاصة، بعيداً عن وهم المقارنات الزائفة.

حسن بن مريّع

نشر في الصحافة

تعليقات