![]() |
من أسرار التواصل والاتصال(2):
(تحويل الحكم إلى سؤال، والمعلومة إلى احتمال)
في عالمٍ يضجّ بالصوت المرتفع والآراء الصاخبة، يصبح فن التواصل لا في ما يقال، بل في كيف يقال.
ومن أعظم أسرار الحوار الذكي إخفاء المعنى داخل غلاف رقيق من (الاحتمال) أو (السؤال)، لا إبرازه بسوط الحكم أو فضاضة المعلومة المطلقة. فالناس بطبعهم لا يحبّون أن يُحكم عليهم.
فالجملة التي تبدأ بـ”أنت…” وتنتهي بصفة سلبية تُغلق الأبواب مباشرة. حين يقال لشخص “أنت مهمل”، فهذا أشبه مايكون بإعلان الحرب. لعلّه بالفعل أهمل، لكنّ الحكم هذا يجرده من مساحة التفكير، ويضعه في موقع الدفاع. وسرعان ما تتحوّل المحادثة إلى معركة إثبات الذات أو نفي التهمة، لا إلى المراجعة الذاتية.
لكن، ما الذي يحدث لو قيلت نفس الجملة بطريقة سؤال؟ “أنت مهمل؟”
صحيح أن الكلمات ذاتها لم تتغير، لكن النية المغلّفة داخل النبرة تغيّرت تماماً. لقد خرجت من موقع القاضي، ودخلت إلى موقع المتسائل. كأنه قيل: “أنا ألاحظ شيئاً.. لكن قد أكون مخطئاً”. وهنا يبدأ الآخر بإعادة النظر في تصرّفه، لا في الموقف منه.
الفرق بسيط، لكنه جوهري. في الحالة الأولى، متهَم ومتهِم. وفي الثانية، متأمل ومتفكر.
ومن ذات الباب، يأتي الفن الآخر: (تحويل المعلومة إلى احتمال).
فحين يقول أحدهم مثلاً: “الأرض كروية” حتى وإن كانت من مسلّمات الجميع، فكأنه يقول: الأمر مسلّم له، لا يقبل النقاش، يُشعر المتلقي بأنه مرغم على القبول… فغالباً ما تبدأ موجة من الردود الحادة:
– “من قال لك؟”
– “الاحتمالات واردة!”
– “هناك من يقول خلاف ذلك”
ويبدأ حوار مناكف، لا يفضي إلى شيء سوى حماية كل شخص لنفسه من هذا الإرغام.
لكن، ماذا لو قيل: “أشعر أن الأرض كروية لما يتناسب مع المنطق والأطروحات العلمية وأخبار أهل الفضاء، أليس هذا أقرب؟”، هنا ستفتح العقول أبوابها فجأةً بدلا من إغلاق نوافذها…
إن تحويل المعلومة إلى احتمال يجعلها قابلة للنقاش لا للرفض، وللإثراء لا للإنكار. فحين تطرح المعلومة وكأنها “وجهة نظر”، تفتح المجال للعقول أن تتعامل معها بـهدوء وتفكّر، لا بردة فعل وانفعال. وهذا بالضبط ما نحتاجه في حواراتنا اليومية.
العقل البشري مبرمج على الدفاع عن ذاته وقناعاته، وعلى رفض كل ما يُشعره بأنه تحت المقارنة أو الاتهام او الإرغام. كل ما يُشبه “الهجوم”، يُقابل تلقائياً “بدفاع”.
التواصل الراقي لا يتنازل عن جوهره، لكنه يختار الغلاف الذي يليق بذكاء الآخر وحساسيته.
لا يُضعف الرسالة، بل يُقوّي أثرها. لأنها تسلم من المقاومة؛ وتحظى بالقبول.
فصاحب الحوار الناجح، يحول دائما:
الحكم إلى سؤالاً، والمعلومة إلى احتمالاً.
هنا تتحول الحوارات المتوترة إلى مساحات آمنة غنية بالفهم، والتغيير الصامت، والتأثير الذي لا يُنسى.
حسن بن مريّع

تعليقات
إرسال تعليق