سر الأقطاب

 


يتسمّر أحدهم أمام شاشته، يتابع محتوى برّاقاً، بلغة منمّقة، عن: «الاستحقاق» «رسم الحدود» «التحرر من قيود الماضي»… أفكارٌ تبدو في ظاهرها ذروة النضج، ثم تتسلل بخفة لتُلبس صاحبها جلباب «المظلومية» وتزرع في داخله قناعة بأنه ضحية دائمة ينبغي أن ينتفض وينقلب على الجميع بدءً بوالديه وإلىٰ مالا نهاية.

حينها يبدأ بالانتقاد، ثم الاعتراض، ثمّ التعامل بالنديّة، ثم المحاسبة على الماضي، إلى أن يصبح مفهوم البرّ خاضعاً لميزان الربح والخسارة.

يخرج الضحية من غرفته مشحوناً بعدد من النظريات، يجادل والديه ويناكفهما، إلىٰ أن ينتهي به المطاف بمحاولة ارغامهما على طاعته ولمطالبه مقابل ما يقدمه لهما من خدمة أو نفع، متوهماً أنه بذلك ينتصر لذاته، بينما هو في الحقيقة يُبدل عاطفة أسمى العلاقات بجفاءٍ ونكران غاشم، خلف قناع (الوعي).

ولو كان وعياً حقيقياً لأدرك أن هذا النزاع والصراع ليس ضد طرفٍ خارجي، بل هو طعن في كيانه هو من الداخل. فالإنسان في أصل تكوينه مخلوق من قطبين متكاملين، لا وجود له إلا بهما ومن خلالهما:

قطب الذكورة[1] «الإرسال» الذي يتجسد في القوة، والسند، والثبات، والصوت البليغ، والكلمة المسموعة، والصيت (ومصدره الأب).

وقطب الأنوثة[2] «الاستقبال» الذي يتجسد في الرحمة، والحنان، والسكينة، والقبول، والمال، والوفرة، وجني الثمار (ومصدره الأم).

هذه ليست تشبيهات بلاغية، بل هي حقيقة تكوينية تسكن أعماق كل إنسان، فالوالدان يبقيان في داخل ابنهما حتى بعد أن يستقل بحياته. بل حتى بعد موتهما.

لذا فإن الابن[3] الذي يحمل مشاعر كره، أو غضب، أو حتى عدم تسامح وتصالح، تجاه أبيه، فإنه في الحقيقة يضرب بذلك قطب القوة والتقدم والجسارة داخل نفسه، ليعيش مهزوزاً مكسوراً.

وحين يقسو على أمه أو يجفوها، أو يضيق بها، فإنه يدمّر في أعماقه قطب الرحمة واللطف ويعيق وصول ثمار جهده إليه، فيعيش قاسياً مضطرباً، يشقى بلا ثمرة فاقداً للطمأنينة.

إن إيذاء أيّ منهما هو إيذاء مباشر للذات، وحربٌ خاسرة يشنّها الجاهل على أركان نفسه بيده.

‏هذا الأمر فيما لو كان الحديث في محدودية المصلحة… ولكن أين الأخلاق، والقيم والرقي الإنساني حين نرى "الخاسر" أمام هذا الأصل الوجودي، يستقوي بصوته وبحججه على صاحب ظهرٍ انحنى بصمت ليستقيم ظهره…

لو تأمل هذا الناكر "خِلسةً" يد أحدهما المرتجفة —تلك اليد التي لطالما كانت حانية عليه لتحمل عنه قسوة الأيام— لوجدها ترتجف اليوم ارتباكاً "حين تريد منه خدمة بسيطة" خشية أن تلمح منه تململاً، أو تسمع منه تنهيدة تأفف. ولو أمعن النظر في عيني أحدهما؛ لأدرك كيف باتت تخاف من نبرته الحادة وسرعة غضبه.

لقد خاضا تجربة الحياة بضعفهما البشري، وبذلا أقصى ما أدركه وعيهما، وواجها أقسى التحديات بلا تردد… فهل نتيجة ذلك أن تتحول كل تلك التضحيات إلى محاكمة ماديّة نديّة ناكرة وظالمة. في حين أنه قد حسم هذا الأمر من السماء بميزان لا يُغلب: "رِضا اللَّهِ في رِضا الوالِدَينِ، وسَخَطُ اللَّهِ في سَخَطِ الوالدينِ"[4]

القضية في عمقها هي بابٌ إما أن يُشرع نحو رحمة الله وتوفيقه، أو يُغلق في وجه صاحبه ليتركه في حرمانٍ وتيه، مهما ظن أنه امتلك من أسباب النجاح والاستقلال.

غداً… حين يباغت القدر أحدهما، ثم تعود أنت إلى غرفته فلا تجد إلا سريراً فارغاً إلىٰ الأبد، والبيت بأكمله في صمتٌ موحش… هناك، تحت وطأة الفقد وانقطاع الرجاء، ستذوب كل تلك المصطلحات المنمقة ومبررات المظلومية والندية، ولن يتبقى في الصدر إلا غصة حارقة، وندمٌ يذيب الفؤاد، ويفتت الأحشاء: ليتني كنت… ليتني فعلت… ياليتني لم أفعل ولم أقل…!

السعيد من يُدرك هذا قبل فوات الأوان؛ ويكسر قيد المكابرة، ويركض إليهما يقبل أقدامهما، مستسلماً لرضاهما بحب ﴿وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا﴾[5]



[1] Yang

[2] Yin

[3] ‏الإبن سواء كان ذكرا أم أنثى

[4] حديث صحيح أخرجه الترمذي وابن حبان والبيهقي

[5] سورة الإسراء اية 24

تعليقات