كم هو مدهش أن ترى بيتاً لا يملك أهله إلا القليل، ولكن رغيفهم يفيض سكينةً ويشبع ضيوفهم، بينما ترى بيتاً آخر فُتحت له الدنيا بكل زخرفها، غير أن أصحابه يغرقون في شقاء لا ينتهي؛ طوارئ تبتلع المال، وتوتّر يسرق النوم، ونفوس عطشى وهي على ضفاف النهر.
من هنا ينكشف السر: الوفرة إذا خلت من البركة، كانت وبالاً على أصحابها.
ولكي نفكك هذا اللغز الذي نتوارثه دون أن ندقق في عمقه، يكفي أن نعود إلى أصل الكلمة، والتي اشتق منها: "بَرَكَ الجمل" و "بِرْكة الماء" أي عندما يجلس البعير على الأرض ويثبت، وعندما يثبت الماء ويستقر. لذا فالبرَكة هي "ثبوت الخير واستقراره".
الوفرة: مجرد لغة أرقام صماء، هي أن تملك الكثير من المال في جيبك، أو الكثير من الساعات في يومك، أو الكثير من الأغراض في بيتك.
أما البركة: فهي النفع الذي يعود إليك مما تملك.
الوفرة أن تملك سلة تفيض بالطعام، ولكن قد لا تستطيع الاستفادة منه لأي سبب.
بينما البركة هي أن تأكل هذا الطعام فتجد فيه اللذة، والصحة، والطاقة، والرضى.
الوفرة تسأل بلغة التكديس: "كم تملك؟"
أما البركة فتسأل بلغة القيمة: "ماذا نفعك ما ملكت؟".
إن هذا الإحساس، هاجس إنساني قديم، وُجد في كل زاوية من زوايا هذه الأرض، ففي بعض الثقافات الشرقية، يتحدثون عن طاقة حيوية تسري في هذا الكون، لا تثمر وفرة وسلاماً إلا إذا عاش الإنسان بتوازن داخلي وقناعة، وترفّع عن الجشع.
وفي ثقافات أخرى عريقة، يؤمنون بأن الكلمات الصادقة والنوايا الطيبة تملك طاقة تجعل الخير واقعاً مشهوداً، وأن للإنسان المستقيم هالةً تفيض بالحماية والتوفيق عليه وعلى أسرته وقريته ما دام متضامناً مع مجتمعه.
وفي جزر نائية تقول بأن الحقول والأدوات تسكنها قوة خفية تجعل المحصول يتضاعف، والأدوات تدوم دهراً دون أن تنكسر، شريطة الحفاظ على النقاء الداخلي وتجنب الأذى.
تلتقي هذه الشعوب كلها عند حقيقة واحدة، وهي أن الأشياء من حولنا لا تخدمنا بكتلتها المادية الجامدة، بل بالروح والفاعلية المستقرة فيها، والتي نسميها "البركة".
وما يجلب هذه البركة: صدق النوايا، وطهارة المقصد، ونية نفع الآخرين، وإتقان العمل، والشكر والامتنان —فالاعتراف بالنعمة هو قيدها الذي يمنعها من الهروب— وكذلك العطاء، والإنفاق، وتفقد المحتاجين، والكسب الحلال، وتماسك الأسرة، والتراحم… إنها تجعل أقل القوت كافياً لملء القلوب بالغنى.
وفي المقابل، فهي أيضًا تتسم بحساسية مفرطة، وزوالها لا يحتاج إلى عواصف وبراكين، بل بتسرب صامت يرفع الحصانة عن حياة الإنسان وممتلكاته، وذلك من خلال الجشع والشره المادي، والغش، والكذب، وأكل حقوق الناس بالباطل، والأنانية، والقطيعة، وكفران النعم، ونكران الجميل.. وذلك لأن الانفصال عن روح المشاركة والتصرف باستعلاء يقطع شريان الاتصال بالخير، ويجعل المرء يعيش في تخمة الموارد وفقر الرضا.
وفي عصرنا الحالي —الذي يطغى عليه الركض المحموم والشاشات المشتتة— قد نكون الجيل الأكثر امتلاكاً للأشياء في التاريخ، لكننا أيضاً الأكثر شكوى، من ضيق الوقت، وتبدد الطاقة، وسرعة نفاد كل ما بأيدينا.
فهل يكفينا أن نملأ خزائننا بالأرقام والمقتنيات، أم أن حاجتنا الحقيقية هي تلك القوة الخفية التي تجعل من القليل كثيراً، ومن الكثير فائضًا متزايدا…
حسن بن مريّع

تعليقات
إرسال تعليق